الشيخ محمد الصادقي
34
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
في حين أن الكلمة التي تخرج من القلب ، المفسَّرة بالعمل قبل الإفصاح بها ، إنها ترجمة حية عن جمال الواقع ، فتصل إلى شغاف القلوب وضاءَة فعّالة ، مهما لم يكن لها طنين أو بريق : « وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغاً » فالكلام إذا خرج من القلب دخل في القلب وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان . وما أجمله جمعاً بلاغة الكلام وفصاحته ، مع التفسير الّحي له من صاحب الكلام في فعل أو حال ، وأجمَل منه الابتداء بالفعل ثم القول وكما يروى : « مروا الناس بالمعروف وإنهوهم عن المنكر بغير ألسنتكم » . هنا القرآن يوجّه بواجههم ويوجّه الناس أجمعين إلى ضرورة الموافقة بين القول والعمل وضراوة المنافقة بينهما ، بخطاب تنديد وتهديد : « أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ . . » كما هناك يواجه المؤمنين بنفس النمط « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ » وهنالك ينقل عن العبد الصالح شعيب « وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ » ومعها عشرات من الروايات ، التي تبرز شرط العمل كأبرز شرط للسماح بالأمر والنهي صلاحاً ذاتياً وإصلاحاً للمجتمع . « 1 » « أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ » : حيث كانوا قبل ظهور الإسلام يأمرون المشركين بالإيمان بمحمد الرسول الآتي وكانوا يستفتحون عليهم : « فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ » وثم إذ ظهر الإسلام كان البعض من أحبارهم يأمرون أقاربهم من المسلمين بالثبات على ايمانهم وهم به كافرون ، أو كانوا يأمرون فقراءهم ويكتمون الحق عن أغنيائهم مخافة انقطاع رواتبهم أو عطياتهم ، وكانوا يأمرون الناس باتباع
--> ( 1 ) . الدر المنثور 1 : 65 - اخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان وابن عساكر عن ابن عباس انه جاءه رجل فقال : يا بن عباس ! اني أريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر ، قال : أو بلغت ذلك ؟ قال : أرجو ، قال : فإن لم تخش ان تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب اللَّه فافعل ، قال : وما هن ؟ قال : قوله عز وجل : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ، أحكمت هذه الآية ؟ قال : لا ، فالحرف الثاني ؟ قال : قوله تعالى : لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند اللَّه ان تقولوا ما لا تفعلون - أحكمت هذه الآية ؟ قال : لا - قال : فالحرف الثالث ؟ قال : قول العبد الصالح شعيب « ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ - أحكمت هذه الآية ؟ قال : لا - قال : فابدأ بنفسك